العلامة المجلسي
418
بحار الأنوار
40 - الإرشاد : ( 1 ) ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام في الحكمة والموعظة : قوله : خذوا رحمكم الله من ممركم لمقركم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن يخرج منها أبدانكم فللآخرة خلقتم ، وفي الدنيا حبستم . أن المرء إذا هلك قالت الملائكة : ما قدم ، وقال الناس ما خلف . فلله آباؤكم قدموا بعضا يكن لكم ، ولا تخلفوا كلا فيكن عليكم فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا يعرفه . ومن ذلك قوله عليه السلام لا حياة إلا بالدين ، ولا موت إلا بجحود اليقين ، فاشربوا من العذب الفرات ينبهكم من نومة السبات ، وإياكم والسمائم المهلكات . ومن ذلك قوله عليه السلام الدنيا دار صدق لمن عرفها ، ومضمار الخلاص لمن تزود منها ، في مهبط وحي الله تعالى ، ومتجر أوليائه . اتجروا تربحوا الجنة . ومن ذلك قوله عليه السلام لرجل سمعه يذم الدنيا من غير معرفة لما يجب أن يقول في معناها : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، دار غنى لمن تزود منها ، مسجد أنبياء الله ، ومهبط وحيه ، ومصلى ملائكته ، ومتجر أوليائه اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة . فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها فشوقت بسرورها إلى السرور ، وحذرت ببلائها إلى البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا . فيا أيها الذام للدنيا ! والمغتر بتغريرها متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ، ومرضت بيديك ؟ تبتغي لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطباء ، وتلتمس لهم الدواء ، لم تنفعهم بطلبتك ، ولم تشفعهم بشفاعتك ، قد مثلت لك الدنيا بهم مصرعك ومضجعك ، حيث لا ينفعك بكاؤك ، ولا تغني عنك أحباؤك . ومن ذلك قوله عليه السلام : أيها الناس خذوا عني خمسا فوالله لو رحلتم المطي فيها لانضيتموها ( 2 ) قبل أن تجدوا مثلها لا يرجون أحد إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه
--> ( 1 ) ارشاد المفيد ص 140 . ( 2 ) أنضيتم الظهر أي أهزلتموه .